ساسي سالم الحاج
14
نقد الخطاب الاستشراقي
قد ولد بالمدينة ، وفيها رسمت الخطوط الرئيسة لحياته التاريخية . فالهجرة هي مرحلة هامة في تاريخ الإسلام لا فيما يتعلق فقط بتغيير مصير الأمة الخارجي ، بل هي مرحلة هامة من نواح عديدة مختلفة ، تناولت طابع رسالته النبي أيضا . ففي مكة كان يشعر بأنه نبي يتمم برسالته سلسلة رسل التوراة . ولكنه الآن يريد إصلاح دين إبراهيم وإعادته إلى أصله بعد أن نال منه التغيير والإفساد ، أي أنه يريد إقامة دين اللّه الواحد كما جاء به إبراهيم ، كما أنه بوجه عام كان مصدقا لما سبق أن أوحاه اللّه لمن تقدمه من الرسل والأنبياء « 1 » . وإذا كان جولدزيهر وصف مولد الرسول وتوجهاته باعتباره نبيّا فإن المستشرق الهولندي « سنوك هرجرونيه » يركّز خاصة على تطوره باعتباره شخصا طبيعيّا . فحياته الأولى تتسم بالشدة والصرامة ، ومعطياته الطبيعية التي لم تصل إلى تفتح عادي ومقرونة بعصبية ظاهرة منحت له ضميرا امتاز بالسمو والرفعة . ويرى الرسول - حسب وجهة نظره - أنه كان شاعرا بقدراته الاستثنائية التي خنقها الرهط المحيطون به ، وهذا الأمر قاده إلى التفكير مليّا وبعمق في معنى الحياة « 2 » . وهكذا عندما أصبح راشدا وتحت ضغط الحياة ومشاكلها اتصل بالجماعات الدينية التي لها كتب مقدسة كاليهود والنصارى ، وتعلّم منهم مفهوم يوم الحساب الأخير الذي يجازى فيه المرء طبقا لتصرفاته في الدنيا ، فالجنة من نصيب المتّقين والنار مثوى للكافرين . كما أنه استمع من هذه الجماعات الدينية عن وجود رسل حملوا رسائل إلهية إلى أقوامهم ومدعمين بكتب مقدسة كموسى وعيسى . عندئذ فكّر في غياب نبي عربي واقتنع بضرورة مجيئه ، وقد اختلطت هذه القناعة بضميره السامي ، ومن هنا ولدت توجهاته الإصلاحية التي ساعد على ظهورها - بالإضافة إلى العوامل السابقة - حياته الشقية وحالة مكة السيئة . ولكي يحقق أغراضه فقد علم بقيمة الوحي الإلهي الذي كان معروفا بدوره لدى اليهود والنصارى وكان نتيجة ذلك كله وجود القرآن « 3 » . ويرى هرجرونيه أن الدعوة المحمدية في مراحلها الأولى تتميز بعقيدة النبي في
--> ( 1 ) المرجع السابق ، ص 10 . ( 2 ) المرجع السابق ، ص 13 . ( 3 ) HUR GRONJE ( S ) . Der islam , 1924 , p . 657 , in WAARDENBURG , Islam , op . cit . p . 33 .